و بناتنا خير لهم لو كانوا يعلمون
لـ المهندس / عمر بن عوض العمري
الإثنين 3 ذي القعدة 1423هـ
ولقد و الله علمت أن هذه الحضارة ما كانت لتذر المجتمع على ما هو عليه حتى تأتيه بما لا قبل له به من المعضلات و ما ليس له به سابق عاهد من المشكلات وقد تفننت في صنعها و ابداعها ثم بالغت في زخرفتها وتفويفها إلى حد أصبح المجتمع معه لا يرى في مجانبة الصواب إلا أنها ضرب من الحضارة ولا في اتخاذ الأسس و الثوابت ظهريا إلا لون من التقدم و الرقي ، وما كانت الحضارة يوما معضلة في ذاتها و لا مشكلة قط ، و لكن المجتمع في ثلة منه – و ليس كله فليضمن الاستثناء كل نفسه – أخرق سخيف ، حوّر النعمة إلى نقمه ، وجميل الإسداء من الرب سبحانه إلى بلاء .
ومنبع مشكلات هذه المجتمع و الموضع الذي تتدافع منه أمواجها هم شبابه ، حتى إذا علت الأمواج و ركب بعضها بعضا في بحر لجي فثمة الزواج وماكنت لأسبر غور هذا الأمر – أمر الزواج – فأغرق و لكني سبحت طافيا عليه سبحه ، فصارعتني موجة فصارعتها ولمّا أصرعها ( بعد ) و لكني أنشأت لذاك مقالة .
و المشكلة كما عنّت لي بين طيات الحديث بيني وبين نفر من الشباب كالتالي : يذهب الشباب في إجازاتهم – إن لم يكونوا في واحدة من تلك غير ذوات الأجل – إلى بعض الدول مما لا أسمي متعددي المآرب و المقاصد مختلفي المرامي و الغايات و الذي يحصل أن معظمهم – لا أقول كلهم – يرون من أنماط الحياة هناك ما لم يعهدوا رؤيته من قبل و تقع منهم الأبصار على مظاهر للانفتاح مما تذهب معه عقولهم ” الفارغة ” مزقاً ، وتعلق – كما زعموا – منهم القلوب بحسناوات تلك البلاد ويشف قلوبهم نمط تلك الحياة حبا ، فيعودون إلى أرضهم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ، إذ كانوا يمشون عليها مكبين ، ويؤوبون إلى وطنهم و ما حملت قلوبهم اليه شوقا و لا لهفة بل كل ما يستقذر من رذائل تلك البلدان و مخازيها و يستقبح ، و ليتهم انتفعوا و لكن كالذباب لا يقع إلا على الجرح ، و يدخلون لا كما يدخل المحب لوطنه اليه بل كما يدخل تابع الجنازة يمضي في رواحلها إلى المقبره و يطفقون بعد ذلك في إطلاق نعوتهم على ما و صفوه بالجبانه من جفاف و تحجر عظيمين – فسوة لهم – و يستفحل بهم الأمر فيرغبون في الزواج من تلك البلدان – و المأخذ عليهم في الباعث لا في المبعوث اليه ، ولكن مطامعهم تصطدم و نظام هذا الوطن في منعهم من ذلك و قد أصابت الحكومة عين الحكمة في هذا القرار أيما إصابة .
بيد أني أصب في سمع صاحب القرار هذه النصيحه ، أن دعوهم ، و خلوا سبيلهم ، و لست في هذا المقام بالمذكر بجواز ذلك شرعا إذ أعلم أن في الدين ضرورات وواضع القرار أعلم مني بهذا ، و لكني أذكر أن الرسول صلى الله عليه و سلم حينما أجرى صلح الحديبية كان الشرط أن يرد هو من يأتيه من الكفار مسلما و لا يردوا هم من يأتيهم مرتدا ، ووالذي نفسي بيده إن الأمرين لسّيان و إنهما في المنطق لسواء يمنع الشاب من الزواج من الخارج فيتزوج من هنا جسدا حيوانيا لا قلبا و لا روحا ، و كأنه ماعلم أن الغاية بناء الأمة لتنصر الدين و تعلي الكلمة ، أما إني لو كنت فتاة لرددت أقبح الرد من يتقدم لي علمت أنه ماكان ليفعل لو خليت سبيله .
وحجج هؤلاء الشباب فيما يذهبون اليه واهية سخيفة صادرة عن أنفس مريضة و مقاييس عليلة ، فيها المكذوب و المفترى ، و منها الساقط و الحيواني ، و أنت قد تجد المضحك ، إذ يحاجك أحدهم فيقول : إن الزوجة من البلد ” الفلاني ” تأتيك في كل يوم بصنف من الطعام جديد و أنها تشكل و تنوع ، و قولنا لصاحبنا هذا : أن اذا تزوجتها فاجعل الزواج في ” مطعم ” ثم أبعث إلى نجار فليصنع لك مقعدين كل واحد منهما على شكل ( معده ) ، ثم لتقعد عليهما أنت و ( طباختك ) .
و أيم الله لقـد ظل هؤلاء الشباب سواء السبيل ، و إن بناتنا خير لهم لو كانوا يعلمون . إن ينشأن مسلمات طاهرات ، غير مسافحات و لا متخدات أخدان ، مهذبات متعلمات ، يعرفن للرجل حقه فلا يساوينه إذ يعلمن أن للرجال عليهن درجه ، صبغت قلوبهم بصبغة الله في بلد رسوله ، و مشرق شمس دينه ، و تعطرت أرواحهن و القلوب بنفحات الإيمان في هذا البلد ، ليعدن فيبثثن نفوسهن الشريفة و أنفاسهن الزكية في ذرياتهن ، فيخرج نباتهن طيبا باذن الله و الذي خبث لا يخرج إلا نكدا ، و قد أجاز النظام لـذوي الـعاهـات من الـشباب أن يتزوجوا من الخارج – إن أرادوا و ربح ( البيع ) – و لكني ناشدتكم الله أفي ذوي العاهات جميعا كعاهة هؤلاء الشباب في نفوسهم المريضة ، لهم أعين لا يبصرون بها ، و أفئدة لا يرجى برئها ، فمما أعجب و تعجبون ؟ ويحكم أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ وو الله ماعلى ظهر البسيطة خير من نسائكم علم ذلك من علمه ، و جهله من جهله ، و تجاهله من غاظه فليمت بغيظه ، إلا إن الزواج أرفع في ذاته و أسمى ، من وطرٍ يقضى ، و فاتنة ( تشرى ) ، ومعدة تملأ ، إلا إنه حرث يقدّم ، و نشء يقوّم ، لأمة خلّـفها العالم وراءه وتقدم.
وفي ( أحسن الأحوال ) فإن مزيج النفيسين من العطور ثالث لا عبق له و لا شذا ، فلا إلى هذا هو و لا إلى ذا ، كما أن رمال الصحراء محال أن يزينها الجليد ، و لو كان كل في صورته فريد ، و الثالثة أن البناء وان كن حسان لبناته ، لا يستقيم اذا اختلفن و إلا كثرت و تعددت فجواته ، و إن أبيتم فاعلموا أن شمس السماء و قمرها لا يلتقيان على ( استقامه ) ، ومتى التقيا فقد كسف أحدهما أو خسف و تلك ساعة لا تنفع نادم الندامه .
وعلم الله لو كنت في فسحة من القول لأتيتكم بما لا تعلمون معه أين تذهبون و لا كيف تستكفون حججا و براهين كما ينفلق الصبح ذو الحواشي ، و لكنني أقف هنا لأعود فأهمس في أذن صاحب القرار أن ذروهم فسوف يعلمون ، و إني و الله لأرى في ما وراء إلا كمة من المصالح وما يعود بالنفع كأمثال الجبال كنوزا أشفق عليها أن أذكرها فيئدها قبل مولدها من ذوي الأهواء و المصالح وممن لا يعلم ما يفعل من لم تشرق في جنبات نفسه شمس هذا الوطن ومن لم يخالج قلبه هواه ، إذ الناس غفلة و إذ الوطن كأنه حومة قتال و قد خذله من حوله و أُغري به الجواد من تحته فترجل واقفا ينافح وكأنه في الملحمة سطرها الأخير ، وما شارفت هي إلا لتعود من جديد ، ألا فاحطموا ( الوهن ) بعزائم من حديد ، و تالله ما ( يُبدئ ) الوهن من أمة ولا ( يُعيد ) .